القائمة

أخبار

رمضان عبر العصور #1 :  رمضان عند الأمويين.. من كسوة الكعبة إلى تنظيم الحرم وموائد الإفطار

مع قيام الدولة الأموية دخل العالم الإسلامي مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والتوسع الجغرافي. وفي ظل هذا التحول، حافظ الأمويون على المكانة الروحية لشهر رمضان، بوصفه شهرا للعبادة وتكثيف الشعائر، مع إضفاء طابع تنظيمي وإداري ينسجم مع اتساع الدولة وتطور مؤسساتها.

نشر مدة القراءة: 4'
رمضان عبر العصور #1 :  رمضان عند الأمويين.. من كسوة الكعبة إلى تنظيم الحرم وموائد الإفطار
DR

بدأ عهد الدولة الأموية عقب الفتنة الكبرى، فدخل الحكم الإسلامي مرحلة من الاستقرار السياسي والتوسع الكبير في الاتجاهات الأربع. وفي ظل هذا التحول، حافظ الخلفاء الأمويون على المكانة الخاصة لشهر رمضان، الذي فرض على الأمة الإسلامية في السنة الثانية من الهجرة، وجعلوه موسما للعبادة وإحياء الشعائر.

في زمن الخلفاء الراشدين، لم يختلف الاحتفاء برمضان عن عهد الرسول الكريم عليه السلام، إذ انحصرت المظاهر في أداء الفرائض والنوافل، والإكثار من أعمال البر، وإحياء الليالي بالصلاة والذكر. ومع انتقال الحكم إلى بني أمية، لم تتغير هذه الطقوس في جوهرها، غير أن اتساع المدن وتطور مؤسسات الدولة أضفى على الشهر بعدا تنظيميا أوضح.

من أبرز المظاهر التي ارتبطت برمضان في العصر الأموي تجديد كسوة الكعبة، ويشير أبو الوليد الأزرقي المكي في كتابه "أخبار مكة" أن "مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ كَسَاهَا كِسْوَتَيْنِ كِسْوَةَ عُمَرَ الْقَبَاطِيَّ، وكِسْوَةَ ديباج، فَكَانَتْ تُكْسَى الدِّيبَاجَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وتُكْسَى الْقَبَاطِيَّ فِي آخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ".

والقباطي نوع من الثياب كان ينسج في مصر منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب، ما يعكس عناية الدولة الأموية بإضفاء طابع مهيب على الشعائر المرتبطة بالشهر الفضيل.

كما تشير الروايات إلى أن الكسوة في العهد الأموي كانت ترسل من دمشق، عاصمة الدولة، وتصنع من أجود الأقمشة، في تأكيد رمزي على مركزية الخلافة وارتباطها بالحرمين.

كما اهتم الأمويون كذلك بتهيئة المساجد وتطييبها لاستقبال رمضان، خاصة المسجد النبوي. ويورد محمد بن سعد البغدادي في كتابه "الطبقات الكبرى" أن "الولاة قبل عمر بن عبد العزيز كانوا يجرون على أجمار مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للجمع وتطييبه في شهر رمضان من العشر والصدقة"، فيما قرر عمر ابن عبد العزيز وقف هذه العادة حفاظا على أموال المسلمين.

كما دأب الأمويون على إنارة المساجد بالقناديل منذ أول أيام الشهر، حتى يتمكن المسلمون من أداء صلاة التراويح وإحياء الليالي في أجواء ملائمة، في ظل اتساع العمران وكثرة الوافدين إلى المدن الكبرى.

تنظيم الصلاة في المسجد الحرام وإطعام الفقراء

وشهد العهد الأموي تحولا تنظيميا في إقامة صلاة القيام بالمسجد الحرام، استجابة لتزايد أعداد المصلين خلال شهر رمضان. فقد نقل أبو عبيد البكري في كتابه "المسالك والممالك" أن أول من أدار الصفوف حول الكعبة في قيام رمضان هو والي مكة الأموي خالد بن عبد الله القسري.

ويؤكد الفاكهي في كتابه "أخبار مكة" أن الناس كانوا "يقومون قيام شهر رمضان في أعلى المسجد الحرام، تركز حربة خلف المقام بربوة، فيصلي الإمام خلف الحربة والناس وراءه، فمن أراد صلى مع الإمام ومن أراد طاف بالبيت، وركع خلف المقام، فلما ولى خالد بن عبد الله القسري مكة لعبد الملك بن مروان، وحضر شهر رمضان، أمر خالد القراء أن يتقدموا فيصلوا خلف المقام، وأدار الصفوف حول الكعبة، وذلك أن الناس ضاق عليهم أعلى المسجد، فأدارهم حول الكعبة".

كما سار الأمويون على نهج من سبقهم في إطعام الصائمين. يذكر الأزرقي في كتابه "أخبار مكة" أن معاوية بن أبي سفيان اشترى دارا في مكة، كان يطبخ فيها طعام الحجاج وطعام شهر رمضان، ويوزع على الفقراء والمعتمرين والصائمين. كما وصف الأزرقي تفاصيل الدور التي بناها معاوية بمكة، ومنها دار البيضاء ودار الرقطاء ودار المراجل.

كما يروي أبو الحسن البلاذري في كتابه "أنساب الأشراف" أن الوالي الأموي على العراق الحجاج بن يوسف الثقفي كان يطعم في رمضان وغيره كل يوم ألف خوان (طاولة)، على كل خوان أربعون رغيفا وجفنة (قصعة) ثريد وجنب شواء وأرزة وسمكة وخل وبقل، وكان يمر بنفسه يتفقد الطعام قائلاً: "هل تفقدون شيئاً أو ترون تقصيراً؟".

كما تشير الروايات أن الخليفة الأموى معاوية بن أبى سفيان، كان يأمر بأن تعد الولائم والمآدب طوال شهر رمضان، وكانت تضرب فى مصر مآدب كبيرة زاخرة بأصناف وألوان من الطعام والمشارب، يدعى إليها الجميع.

كما تتحدث بعض الروايات عن أن أصل أكلة الكنافة يعود إلى عهد الأمويين، وتشير إلى أن معاوية بن أبي سفيان كان يعاني من الجوع خلال شهر رمضان، فوصف له طبيبه طبقا من السميد، وهو ما عرف فيما بعد بالكنافة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الكنافة طبقا أساسيا على موائد رمضان، وتطورت طرق تحضيرها وتنوعت حشواتها.

كما اخترع الأمويين نوعا آخر من الحلوى أطلقوا عليه "قطايف السلطان"، وكانت تقدم إلى السلطان، على مآدبه الرسمية، والتي كان يدعوا إليها ولاته وعماله من الأمصار، كما كان يقتصر تقديمها على شهر رمضان.

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال